محمد بن جرير الطبري

166

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ويقال أيضًا ، إذا هي عَفَّت وحفِظت فرجها من الفجور : " قد أحصَنَتْ فرجها فهي مُحْصِنة " ، كما قال جل ثناؤه : ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) [ سورة التحريم : 12 ] ، بمعنى : حفظته من الريبة ، ومنعته من الفجور . وإنما قيل لحصون المدائن والقرى : " حُصُون " ، لمنعها من أرادَها وأهلَها ، وحفظِها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها . ولذلك قيل للدرع : " درع حَصِينة " . * * * فإذا كان أصل " الإحصان " ما ذكرنا من المنع والحفظ ، فبيِّنٌ أنّ معنى قوله : " والمحصنات من النساء " ، والممنوعات من النساء حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم . وإذ كان ذلك معناه ، وكان الإحصان قد يكون بالحرّية ، كما قال جل ثناؤه : ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ) [ سورة المائدة : 5 ] = ويكون بالإسلام ، كما قال تعالى ذكره : ( فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ) [ سورة النساء : 25 ] = ويكون بالعفة ، كما قال جل ثناؤه : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ) [ سورة النور : 4 ] = ويكون بالزوج = ( 1 ) ولم يكن تبارك وتعالى خصّ محصَنة دون محصنة في قوله : " والمحصنات من النساء " = ( 2 ) فواجبٌ أن تكون كلُّ مُحْصنة بأيّ معاني الإحصان كان إحصانها ، حرامًا علينا سفاحًا أو نكاحًا إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء ، كما أباحه لنا كتابُ الله جل ثناؤه ، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله .

--> ( 1 ) هذه عطوف متتابعة ، والسياق : وإذ كان ذلك معناه ، وكان الإحصان قد يكون بالحرية . . . ويكون بالإسلام . . . ويكون بالعفة . . . ويكون بالزوج . . . = ثم عطف مرة أخرى على أول الكلام فكان سياقه : وإذ كان ذلك معناه . . . ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة . ( 2 ) هذا جواب " إذ " ، والسياق : وإذ كان ذلك معناه . . . فواجب أن تكون كل محصنة .